الأحد، 27 ديسمبر 2009

علم إجتماع: الثقافة و مستقبل الهوية الفلسطينية

 علم إجتماع: الثقافة و مستقبل الهوية الفلسطينية


27/08/2009
لتحميل النص اضغط هنا

الثقافة و مستقبل الهوية الفلسطينية

كنت قد قدمت في ندوة سابقة عقدت قبل أشهر قليلة في جمعية إنعاش الأسرة, محاضرة بعنوان:      " التراث الشعبي والهوية ", نشرت في حينه في العدد التاسع والعشرين الذي صدر في كانون ثاني 1997 من مجلة التراث والمجتمع، وسأنطلق الآن من بعض ما جاء في تلك المحاضرة، حيث ذكرت في نهايتها أن الخطر الرئيس الذي يواجه الفلسطينيين اليوم ليس خطر الإبادة الجسدية ولا خطر ضياع الأرض، وإنما خطر انحلال وذوبان الهوية الفلسطينية، وقد طرحت في حينه مشروعا مكونا من بندين يراد بهما الحفاظ على الهوية الموحدة لجميع الفلسطينيين .
كان البند الأول: هو ضرورة تأسيس ما أسميته " بنك معلومات ديمغرافية الشتات الفلسطيني “، والبند الثاني: كان ما أسميته "مشروع محو ألامية الثقافية الفلسطينية". وما أريد أن افعله هنا هو التوسع في فكرة "مشروع محو الأمية الثقافية الفلسطينية".وسأحاول في هذه المحاضرة التعرف على مواصفات العناصر الثقافية التي تصلح للإستعمال في مثل هذا المشروع.
على الرغم من كل الحديث الذي يدور في العالم الغربي اليوم حول التعددية الثقافية، فإن جميع شعوب العالم اليوم التي تسلك كوحدة قوية وككل متماسك وذات هوية موحدة تمتاز بأنها تقوم على أساس وجود لغة موحدة وحدود جغرافية معروفة وثقافة وطنية موحدة ومشتركة بين جميع أفرادها.
وتعتمد في نقل هذه الثقافة من جيل إلى جيل على استعمال اللغة الموحدة, وعلى نظام موحد من المدارس الأساسية, أي الابتدائية والثانوية التي تعلم برامج موحدة في صلبها و جوهرها, وعلى تجربة الخدمة العسكرية الإجبارية الموحدة التي تلي عادة إنهاء المدرسة الثانوية مباشرة (فقد اعتمدت إسرائيل مثلا على هاتين المؤسستين في خلق نواة ثقافية موحدة من اصل جماعات مختلفة ثقافيا واجتماعيا وعرقيا).
فالإنسان الحديث لا يعطي ولاءه لملك أو قائد ولا لأيدلوجية سياسية  وإنما قبل ذلك كله لثقافته. وينتج عن وجود هذه النواة أو اللب من الثقافة المشتركة بين جميع أفراد المجتمع الواحد أسهل   وأكثر منها عبر حدود ذلك المجتمع لأن عملية الاتصال والتفاهم بسهولة ودقة بين أفراد المجتمع الواحد عملية هامة جدا للحفاظ على وحدة وتماسك ذلك الشعب أو المجتمع، وعلى استمرارية هويته الثقافية الموحدة.
كيف تأتي سهولة الإيصال بين أبناء الثقافة الواحدة؟
سهولة ونجاح الإتصال هذه تأتي من طبيعة اللغو والعقل الإنساني وكيفية الإتصال بين بني الإنسان. اللغة ليست مجرد مفردات وليست مجرد معان حرفية للمفردات وإنما هناك معان ومعان للمعاني, أو مستوى ثان من المعاني، وهذا المستوى الثاني مهم جدا بين بني الإنسان، عندما نسمع حديثا أو نقرأ مادة مكتوبة فان المعنى السطحي الحرفي والصريح لكل مفردة نقرؤها أو نسمعها يكون أشبه بقمة الجبل الجليدي التي تظهر فوق سطح الماء، ولكن القسم الأكبر المخفي تحت السطح هو المعنى الذي يضيفه القارىء أو السامع من معلومات لديه، هو ذات علاقة بتلك المفردة، وقد يضيف القارىء تلك المعلومات دون وعي منه ودون الإنتباه بأنه أضافها إلى المعنى. هذا الجزء المخفي هو ما أسميته "معنى المعنى" وهذه "الهالة" من المعاني التي نضيفها إلى كل مفردة وكل ومز وكل إشارة تتكون من جميع التداعيات والارتباطات والذكريات والصور والمشاعر والعواطف التي تستدعيها تلك المفردة على المستوى الواعي واللاواعي من ذهن القارىء أو السامع. فنحن عادة نقول أكثر بكثير مما نلفظ, و نفهم أكثر بكثير مما نسمع. وكما كان الرمز الظاهر اقرب إلى تجارب الفرد الحياتية والفكرية والعاطفية كلما ازدادت مساحة تلك الهالة من المعني والتداعيات التي يجلبها الرمز إلى ذهن ذلك الفرد. و كلما كانت التجارب والمعارف بين أي فردين أكثر زادت مساحة الهالات أو معاني المعاني المشتركة للرموز بينهما, كلما سهل التفاهم بينهما دون الحاجة إلى الكثير من الكلام والى التوضيح والتفسير, والعكس بالعكس, وعليه فانه كلما زادت المعارف الثقافية المشتركة سهل الاتصال, ولذلك يقال عادة عن أي توأمين بأنهما يستطيعان التفاهم حتى بدون كلام ويعرف كل منهما ما يريد الآخر قوله حتى قبل أن يقوله.
بعكس ذلك فان التفاهم بين شخصين من ثقافتين مختلفتين يكون أصعب وبحاجة إلى مقدار اكبر من التوضيح والتفسير, وقد يحدث بينهما الكثير من سوء الفهم نتيجة افتراضات خاطئة حول مقدار المعلومات الضمنية الموجودة لدى كل منهما, ولذلك فإن المثل القائل: " ابن بطني بفهم رطني " هو أصدق من القول " إن اللبيب من الإشارة يفهم " فأغلب الظن أن " اللبيب " يفهم لأنه في الحقيقة " إبن بطني " أي لأنه يشترك معي في معرفة دلالات تلك الإشارة.
لا حاجة إلى الإطالة في الشرح حول ما حدث للشعب الفلسطيني و حول أوضاع الفلسطينيين في الوقت الحاضر (ولكن تصوروا كم من الشرح كنت سأحتاج لو كان المستمعون أناس جاؤوا من المريخ) بل يكفي أن نشير إلى أن ما حدث للفلسطينيين من التشتت واللجوء, قد قلل من الاتصال بينهم, اضف إلى ذلك انخراط الكثيرين منهم بمجتمعات أخرى, وتأثرهم بثقافتها, وعدم وجود مدارس خاصة بهم, وعدم تحكمهم بمناهج التدريس في أماكن تواجدهم, وطبعا عدو وجود تجربة الخدمة العسكرية العامة والموحدة لديهم.
كل ذلك قلل من العناصر الثقافية الفلسطينية المشتركة بينهم وأضاف الابتعاد الجغرافي            والجسدي بينهم فروقا ثقافيا نجعل التواصل والتفاهم بينهم صعبا حتى لو تمكنوا من اللقاء جسديا, كما حدث لقسم منهم منذ اتفاق اوسلو.
لااظنني افشي سرا عندما أقول انه قد ظهرت هناك بعض الصعوبات في الاتصال والتفاهم بين بعض العائدين وبعض المقيمين في الضفة والقطاع.
وإذا عدنا إلى ما ذكرنا سابقا عن دور الثقافة في الاتصال والتفاهم فإنه يمكن القول أن الكثيرين من الفلسطينيين قد أصبحوا " معاقين ثقافيا " على مستوى الثقافة الفلسطينية, وهم بحاجة إلى     " تأهيل ثقافي " ليتمكنوا من الالتحام بالثقافة الفلسطينية الأم إذا تسنت لهم العودة, أو لكي يبقى الشعب الفلسطيني شعبا واحدا له هوية موحدة وشخصية موحدة. هذا " التأهيل الثقافي للفلسطينيين المعاقين ثقافيا " هو ما قصدته بطرحي " مشروع محو الأمية الثقافية الفلسطينية " في المحاضرة السابقة.
وهنا نصل إلى السؤال: ما هي العناصر أو المعلومات التي يجب أن يحويها مثل هذا البرنامج؟
إنني لا أريد ولا اقدر أن أتقدم بلائحة تحتوي على العناصر المطلوبة ولكن، اعتمادا على ما ذكرناه سابقا، فأن لدينا بعض مواصفات هذه العناصر التي يجب أن تكون موجودة ضمن الخلفية الثقافية لجميع أو معظم الفلسطينيين البالغين العاقلين المؤهلين للمشاركة في المجتمع الفلسطيني بشكل مقبول و فعال.
وسأكتفي هنا بذكر بعض هذه المواصفات أملا أن أعود إلى تفصيل العناصر نفسها في محاضرة قادمة. هذه المعلومات ليست بالضرورة عن فلسطين والفلسطينيين وإنما مما يهم الفلسطينيين، ومن المواضيع التي تثير في أذهانهم مقدارا كبيرا من التداعيات والمعلومات الضمنية والعواطف والمشاعر، فمعرفة من هو هرتسل أو وايزمن ضرورية للشخص المثقف فلسطينيا بقدر ما هو ضروري أن يعرف من هو الحاج امين وفوزي القاوقجي.
و كذلك فإن هذه المعلومات يجب أن تكون ذات عمق وذات استمرارية في الثقافة الفلسطينية, وليست عابرة, ولكن قابلة للتطوير والتغير, ولكن ببطء وتدريجيا.
القسم الأكبر من هذه المعلومات سيأتي طبعا من التراث الفلسطيني الرسمي والشعبي, ومن تاريخ فلسطين والفلسطينيين, ومن جغرافية فلسطين, ولكن قسما كبيرا منها يجب أن يكون, كما ذكرنا سابقا, من وعن غير فلسطين و الفلسطينيين ولكن مما يهم الفلسطينيين ومما كان له اثر في تاريخهم. وبشكل عام, وكما ذكرنا سابقا, هذه المجموعات يجب أن تكون بمجموعها خلفية ثقافية يؤهل الفرد على الاتصال والتفاعل والتفاهم بنجاعة وطلاقة ومرونة في المجتمع الفلسطيني.
وطبعا إنني أتحدث هنا عن الخصوصية الفلسطينية بالذات وافترض أن هذا الإنسان الذي نسعى إلى تأهيله فلسطينيا هو في الأصل مؤهل على المستويين العربي والإسلامي والعالمي, و إلا لما كان هناك حاجة لتأهيله فلسطينيا, ولا نفع يرجى من ذلك. بقي أن أقول أن مثل هذا المشروع يتطلب جهازا ضخما محليا كما يحتاج إلى تعاون وثيق مع سلطات الدول المضيفة ومع قيادات التجمعات الفلسطينية في تلك الدول.
نعود فنلخص ما قلناه سابقا بأن الكثيرين من أبناء الشعب الفلسطيني قد أصبحوا " معاقين ثقافيا " بالنسبة إلى جوهر الثقافة الفلسطينية وهذه الإعاقات تزيد مع مطلع شمس كل يوم سواء بين الفلسطينيين في الشتات أو بين المقيمين على ارض الوطن ونحن بحاجة إلى برنامج " إعادة تأهيل " لهؤلاء الناس، وإذا نجحنا في تنفيذ مثل هذه المشروع فقد يمكننا أن نأمل ببقاء الشعب الفلسطيني شعبا واحدا له هوية وثقافة موحدة.
المصدر مجلة التراث والمجتمع- جمعية انعاش الأسرة- البيرة

علم إجتماع: الجمعيات النسائية الفلسطينية التطوعية ودورها في الفولكلور الفلسطيني

 علم إجتماع: الجمعيات النسائية الفلسطينية التطوعية ودورها في الفولكلور الفلسطيني


27/08/2009
لتحميل النص اضغط هنا


الجمعيات النسائية الفلسطينية التطوعية ودورها في الفولكلور الفلسطيني

مع التركيز على دور جمعية إنعاش الأسرة  في مدينة البيرة

د.عبد اللطيف البرغوثي

1.       تمهيد:
الواقع الاجتماعي للشعب الفلسطيني:

من المفيد في بداية هذه الدراسة أن نلقي نظرة سريعة على الواقع الراهن للحياة الاجتماعية العربية من زوايا ثلاث ترينا الأولى منهما أن المجتمع العربي يتكون من أكثرية من المدنيين والقرويين وأقلية من البدو، وترينا الثانية أن نشوء الجمعيات وغيرها من المؤسسات الثقافية والاجتماعية يرتبط ارتباط  عضويا بظهور المجتمع المدني من ناحية والفئة المثقفة من ناحية ثانية. ولما كانت المدن الفلسطينية بعامة، والقدس ويافا وعكا وحيفا ونابلس بخاصة، هي الأوفر حظا فيما يتعلق بتوافر العاملين المذكورين، فإنا سنلاحظ أن الجمعيات المشار عليها بدأت في هذه المدن قبل غيرها، وإنها، أي الجمعيات، ظلت ظاهرة مدنية حتى حدوث النكبة عام 1948. فعلى المستوى القروي كانت هناك جمعيات قليلة عرف منها اثنتان فقط هما:جمعية تعاون                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      اقتصرت على القرى المجاورة لعكا وحيفا، وجمعية إتحاد القرى العربية في اللد التي تأسست عام 1972 واقتصرت على قرى الساحل الجنوبي. وعلى المستوى البدوي نعرف عن جمعية واحدة هي جمعية البدو العربية التي تأسست في بئر السبع في أواسط الثلاثينات لغايات اجتماعية (الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثالث، ص 187).

أما الزاوية الثالثة فترينا أن المجتمعات العربية، ومنها المجتمع الفلسطيني، هي مجتمعات أبوية محافظة، يأتي الرجل فيها في المقام الأول، وتأتي المرأة في المقام الثاني. لكن من باب مراعاة الحقيقة واحترامها، على أن أسرع إلى القبول إنه مع بدأ الدعوة إلى النهضة العربية منذ أواسط القرن الماضي، واكب الحركة النهضوية وكان جزءا منها تطور بطيء  نجح في تحسين مكانة المرأة، وفي توسيع دورها في الحياة الاجتماعية والمهنية. وتأسيسا على هذا الواقع يتبين أن قراره حاسم، ولاسيما فيما يتعلق بتقسيم العمل بين الرجال  والنساء، وهو ما يعنينا في هذه الدراسة، فالأعمال مقسمة بين الجنسين حسبما يناسب طبيعة كل منهما، ولكن من منظور الرجل. وإذا حاولنا أن نبين انعكاسات تطبيق هذا المبدأ على مقام و ما يقوم به الفلسطينيون، رجالا ونساء، من أعمال، فإنا واجدون صورة أساسية تتكون من ثلاث شرائح من الأنشطة هي:

أولا: شريحة ضيقة من الأنشطة التي يشترك الجنسان في ممارستها، وتتمثل فيما يتعاون الجنسان في إنجازه كالعناية بالأطفال، وجني بعض المحاصيل، وشراء المواد الغذائية، وممارسة الألعاب والأنشطة الترفيهية، وما شابه ذلك.

ثانيا: شريحة كبرى خاصة بالرجال، وتتمثل في أن الرجل لأنه الأقوى جسمانيا، ينفرد بالأعمال الثقيلة التي تتطلب القوة كالفلاحة والحدادة والنجارة والبناء، ونقل الأشياء الثقيلة.

ثالثا: شريحة كبرى خاصة بالنساء وتتمثل في إنفراد المرأة بالأعمال الخفيفة كأعمال المطبخ، وغسل الملابس وكيها، وتنظيف المنزل.
وإذا سحبنا هذه الصورة العاملة من الفولكلور الفلسطيني، فإننا سنجد قسمة الأنشطة الفولكلورية بين الجنسين تماثل إلى حد كبير قسمة العمل المذكورة، فالجنسان يشتركان في شريحة ضيقة تتمثل في الغناء وسرد الحكايات وعروض المهرجانات الشعبية في الجانب النظري من الفولكلور، كما يشتركان في اختيار لوازم البيت وترتيبه وصيانته في الجانب المادي للفولكلور. من ناحية ثانية ينفرد الرجال في المجال المادي، بالقيام بالأعمال الثقيلة كصنع أو جلب واستخدام الأدوات اللازمة للمهن التي يمارسونها: كالبناء، والحرث، وجني معظم المحاصيل، بينما تنفرد النساء بالقيام بالأعمال الخفيفة كإعداد الأطعمة، وصنع أدوات القش، والتطريز، والنسيج وأشغال الإبرة . أما في المجال النظري من الفولكلور كحقل دراسي، فإن الرجال يكادون ينفردون بالقيام بالدراسات والبحوث، ففي فترة الانتداب البريطاني على فلسطين نجد طليعة الفولكلوريين الفلسطينيين كلها من الرجال:د. توفيق كنعان، الياس حداد، اسطفان اسطفان، عمر الصالح البرغوثي. وفي فترة ما بعد الانتداب البريطاني نجد أن القائمين على الدراسات الفولكلورية والذين زادت أعدادهم  بشكل ملحوظ،هم الرجال: د. عبد اللطيف البرغوثي، د. عيسى المصو، د. شريف كنعانة، د. هاني العمد، د. نمر سرحان، الأستاذ سليم المبيض والأستاذ عبد العزيز أبو هدبا، الأستاذ علي الخليلي، الأستاذ عمر حمدان، الأستاذ نبيل علقم وغيرهم، والاستثناء الوحيد فيما أعلمن، هو الدراسة التي قامت بها السيدة يسرى جوهرية عرنيطة في المهجر، والدراسة التي قامت بها السيدة نائلة لبس(من عرب 1948)، والسيدة جورجيت خميس سلوم والسيدة وداد قعوار ورفيقاتها، والسيدة صباح السيد عزازي.

1-2 نشأة المؤسسات الثقافية في فلسطين:
في دراسة قيمة للمؤسسات الثقافية في فلسطين، ضمن الموسوعة الفلسطينية(القسم الثاني، المجلد الثالث،ص 175 وما بعدها)، عرض الدكتور محمود زايد الاتحادات، والجمعيات، والروابط،والمطابع، والأندية، ومؤسسات البحوث الفلسطينية ومراكزها، وقسم فترات ظهورها ونموها إلى المراحل الثلاث التالية:

أـ مرحلة ما قبل الانتداب البريطاني 1875-1918،
ب- مرحلة الانتداب البريطاني 1918-1948.
ج- مرحلة ما بعد نكبة عام 1948.

ولاحظ هذا الباحث أن المؤسسات الثقافية الوطنية في فلسطين في المرحلة الأولى كانت تقتصر على الجمعيات، وان تلك الجمعيات كانت آنذاك بعيدة عن السياسة، وأن أعدادها ظلت قليلة فيما قبل إعلان الدستور العثماني لعام 1908، ولكنها راحت تتكاثر بعد إعلانه، حتى بلغ عددها قبيل مرحلة الانتداب البريطاني ما لا يقل عن خمس عشرة جمعية وطنية، أكثرها جمعيات خيرية: كجمعية السيدات الأرثوذكسية التي أسست في يافا عام 1910، أو أدبية كجمعية الآداب الزاهرة التي أسسها في القدس عام 1898 داود الصيداوي. وكانت غالبيتها جمعيات مسيحية كجمعية الشابات المسيحيات التي أسست في القدس في مطلع هذا القرن، نظرا إلى أن المسيحيين الفلسطينيين كانوا أسبق إلى التحصيل العلمي، بفضل التسهيلات التي كانت تقدمها لهم الكنائس، والأديرة، والمؤسسات التابعة لها. (الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثالث،ص182).

وفي مرحلة الانتداب البريطاني، وبسبب تحسين النظام التعليمي وتوسيعه نسبيا، وبسبب ظهور الأحزاب السياسية المنتظمة في أوائل الثلاثينات من تلك المرحلة، ازداد عدد الجمعيات، والنوادي، والروابط،والإتحادات بشكل لافت للنظر، وشهدت الأربعينيات إنشاء جمعيات التضامن النسائي في القدس، ويافا، والطور، واللد، وحيفا، وعكا وكان من الجمعيات البارزة التي ظهرت في هذه المرحلة ما يلي:

1-      جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في مدينة نابلس عام 1921.
2-      جمعية القدس ترايزا، تأسست في القدس عام  1922.
3-      جمعية تهذيب الفتاة الإسلامية، تأسست في حيفا أعوام العشرينيات.
4-      جمعية تهذيب الفتاة الأرثوذكسية، تأسست في حيفا أعوام العشرينيات.
5-      جمعية حاملات الصليب أمس، تأسست في القدس عام 1926.
6-      جمعية حاملات الصليب اليوم تأسست في القدس عام 1926.
7-      جمعية رعاية الطفولة والأمومة، تأسست في نابلس عام 1928.
8-      جمعية السيدات العربيات، تأسست في القدس عام 1929.
9-      جمعية السيدات الوطنية، تأسست في يافا عام 1929.
10-   جمعية إتحاد العاصمة النسائي، تأسست في القدس عام 1929.
11-   جمعية نهضة السيدات العربيات، تأسست في عكا عام  1930.
12-   جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في حيفا في الثلاثينيات.
13-   جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في طولكرم في الثلاثينيات.
14-   جمعية السيدات العربيات، تأسست في عكا وانحلت عام 1936.
15-   جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في رام الله عام 1939.
16-   جمعية نجدة الفتاة، تأسست في يافا عام 1940.
17-   جمعية التضامن الاجتماعي، تأسست في القدس في أوائل الأربعينيات.
18-   جمعية التضامن الاجتماعي، تأسست في المجدل في أوائل الأربعينيات.
19-   جمعية التضامن الاجتماعي تأسست في يافا في أوائل الأربعينيات.
20-   جمعية الرابطة النسائية العربية ، تأسست في يافا في أوائل الأربعينيات.
21-   جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في غزة في أوائل الأربعينيات.
22-   جمعية الإتحاد النسائي العربي، تأسست في بيت لحم عام 1947.
23-   جمعية الفتاة تأسست في رام الله في الأربعينيات.
24-   جمعية رابطة وحدة جمعيات السيدات العربيات، تأسست في القدس عام 1944.
25-   جمعية رعاية الطفل، تأسست في رام الله عام 1944.
26-   جمعية سيدات بيت جالا،تأسست في بيت جالا عام 1944.
27-   جمعية السيدات لرعاية الطفل، تأسست في بيت جالا عام 1944.
28-   جمعية التضامن الاجتماعي للسيدات، تأسست في الطور عام 1944.
29-   جمعية التضامن الاجتماعي النسائي، تأسست في اللد عام 1945.
30-   جمعية التضامن الاجتماعي، تأسست في عكا عام 1947.

(لمزيد من التفاصيل انظر إلى الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد الثالث،ص 223-248 لتجد قوائم بأسماء الجمعيات الفلسطينية المختلفة في العالم وعددها في تلك القوائم 275 جمعية).

ويلاحظ في ما يتعلق بعمل تلك الجمعيات أن تأثير الأحزاب السياسية عليها جعل أكثرها تركز جهودها على النشاطات الثقافية والرياضية، وعلى أعمال إغاثة الأسر المحتاجة، ودعم النضال الفلسطيني، وبخاصة خلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) وفي أعقابها (المرجع السابق،ص183).

وتبدأ المرحلة الثانية بنكبة عام 1948 التي مزقت الشعب الفلسطيني فصار معظمه يعيش في الشتات، بينما ظل جزء منه يعيش في إسرائيل، وجزء ثان في قطاع غزة الذي اتبع إداريا لجمهورية مصر العربية، وجزء ثالث في الضفة الغربية التي ضمت إلى شرق الأردن. وقد أدت هذه الحالة  إلى بما انطوت عليه من التوزيع الديمقراطي للشعب الفلسطيني، إلى تغيير التوزيع الجغرافي للجمعيات والإتحادات وغيرها من المؤسسات الثقافية، فلم يعد ظهورها ظاهرة مدنية، بل انتشرت في القرى، وفي مخيمات اللاجئين، وفي التجمعات الفلسطينية أينما وجدت. ففي الشتات ظهرت مؤسسات فلسطينية ثقافية واجتماعية كالإتحادات الطلابية والنسائية وغيرها، ويلاحظ ذلك بين الفلسطينيين في الأمريكيتين وفي أوروبا، فقد كثرت الجمعيات، والنوادي الفلسطينية في دول أمريكا اللاتينية وبخاصة في البرازيل، والأرجنتين، وبيرو، وبوليفيا، وبدرجة أقل في أمريكا الشمالية ولاسيما الولايات المتحدة وأوروبا، وكذلك كان الحال بالنسبة للفلسطينيين في الوطن العربي، فقد انتقلت  أو نشأت جمعيات و مؤسسات كثيرة في مدن الوطن العربي، ولاسيما عواصمه بعامة، والقريبة منها من فلسطين بخاصة كعمان، والقاهرة، ودمشق، وبيروت. ويذكر في هذا الصدد أن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 كان نقطة تحول في تاريخ المؤسسات ولاسيما ما كان منها خارج فلسطين، ذلك أن المنظمة اعتبرت تلك المؤسسات ركائز لها. وكان من أبرز تلك المؤسسات: إتحاد الطلبة، الإتحاد العام للمرأة، إتحاد الكتاب، إتحاد الصحفيين، إتحاد الفنانين، وغيرها من الإتحادات والجمعيات والمراكز(المرجع السابق، ص184-186).

أما على الأرض الفلسطينية، وبعد انتهاء عقد الذهول الذي تلا نكبة عام 1948، فقد بدأت تتشكل اتحادات، وجمعيات، ونوادي، ومراكز بحوث بين العرب في إسرائيل، والعرب في الضفة الغربية، والعرب في قطاع غزة، في إطار ما تسمح به القوانين المعمول بها في المناطق المذكورة: ففي إسرائيل في إطار القوانين الإسرائيلية، وفي قطاع غزة في إطار القوانين المصرية وما وضعته إسرائيل من قوانين بعد الاستيلاء على القطاع عام 1967، وفي الضفة الغربية في إطار القوانين الأردنية وما وضعته إسرائيل من قوانين بعد الاستيلاء على الضفة عام 1967.

وعلى الرغم من هذا الشتات الديموغرافي والجغرافي، فإن المؤسسات الثقافية والاجتماعية، على اختلاف أشكالها ومواقعها، مارست جميعها نشاطا سياسيا على نحو أو  آخر، لأن الشعب كان، ولا يزال، يخوض كفاحا مريرا في سبيل وجوده وتحرره. وقد أسهمت الجمعيات بشكل ملحوظ في تعزيز الوعي الوطني، ورفع الروح المعنوية، ومقاومة سياسة الانتداب، والاحتلال، والهيمنة، وجمع الأموال لمساعدة المحتاجين والمنكوبين، وتشجيع المصنوعات الوطنية، ومحاربة بيع الأراضي لليهود، والدفاع عن المعتقلين والمساجين السياسيين والأسرى. وبالإضافة إلى ذلك كله، فإن المؤسسات حققت إنجازا عظيما في مجال مكافحة الأمية بفتح صفوف الدراسة الليلية، ونشر التعليم والثقافة بتأسيس المكتباتـ، ورياض الأطفال، والمدارس  .

1-3 تنظيم الجمعيات وتطورها:
يلاحظ في ضوء ما تقدم أن الجمعيات والمؤسسات الثقافية بعامة، والنسائية بخاصة، ازداد عددها، وتنوعت أنشطتها، منذ بدء الانتداب البريطاني على فلسطين. لذلك كان لا بد من العمل على التنسيق فيما بينها خدمة للمصلحة الوطنية العامة من ناحية، ولمصالح تلك الجمعيات نفسها من ناحية ثانية. ومن هنا بدأت الدعوة الشعبية في هذا الاتجاه تؤتى ثمارها، فقد عقد إتحاد العاصمة النسائي، الذي تأسس في القدس عام 1929 بعد ثورة البراق، مؤتمره النسائي الأول في القدس يوم 26-11-1929 بمشاركة حوالي ثلاثمائة امرأة من المدن الفلسطينية المختلفة. وكان هدف هذا المؤتمر تنظيم الحركة النسائية في فلسطين؛ للعمل على إنقاذ الوطن ومساعدة العائلات المحتاجة والمنكوبة، وانبثق عنه ثلاث لجان هي: لجنة رعاية  أبناء الشهداء، لجنة جمع التبرعات، (المرجع السابق ص19، وميسون الوحيدي، ص5) ولجنة الخياطة والتطريز. وكتاب إتحاد الجمعيات  الخيرية في القدس لعام 1986،ص67).
وقد ترأست هذا الإتحاد منذ  تأسيسه حتى عام 1966 الآنسة زليخة الشهابي، وتورد أسمي طوبي في كتابها(عبير ومجد)(بيروت، مطبعة قلفاط،1966، ص149-1952) قائمة بنشاطات هذا الإتحاد نلخصها في العناوين التالية:
تأسيس ناد رياضي، تشكيل لجنة إسعاف ميداني، افتتاح مستوصف لمعالجة المعوزين وتشكيل لجنة طبية خاصة به، تعليم أيتام على نفقة الإتحاد، تأسيس فرع لرعاية الطفولة، إقامة مسابقات جمال للأطفال، افتتاح فرع لتعليم صناعة الأزهار، تنفيذ برامج محاضرات علمية ووطنية وموسيقية، وعقد مؤتمرات كالمؤتمر الكبير الذي عقد في 1671946 وحضرته وفود من البلاد العربية، إرسال برقيات احتجاج في المناسبات كمناسبة وعد بلفور.
وفي الفترة الأردنية، وبموافقة قسم الجمعيات الخيرية في وزارة الشؤون الاجتماعية الأردنية، أقيمت ثلاثة إتحادات انتظمت في سائر الجمعيات الخيرية في الضفة الغربية عام 1958 هي:

1-      اتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة القدس التي كانت تشمل ألوية القدس وبيت لحم وأريحا ورام الله، ويشمل إحدى وتسعين جمعية موزعة كمايلي: 44 في منطقة القدس، 24 في رام الله ولوائها، 23 في منطقة بيت لحم وأريحا. وكانت هيئته الإدارية مشكلة من 13 عضوا.
2-      إتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة نابلس التي كانت تشمل ألوية نابلس وجنين وطولكرم، ويضم 45 جمعية وهيئته الإدارية مكونة من 12 عضوا.
3-      إتحاد الجمعيات الخيرية في محافظة الخليل وألويتها ويضم 28 جمعية. وهيئته الإدارية مكونة من 7 أعضاء .

وفي مجال الخدمات التي قدمتها وتقدمها هذه الإتحادات النسائية تلاحظ النشاطات التالية:
1-      النشاط الثقافي: مكافحة الأمية، إقامة رياض الأطفال، عقد ندوات، إقامة مخيمات صيفية.
2-      النشاط النقابي: تشجيع الانتساب، تبني قضايا نسوية، تأمين فرص عمل.
3-      النشاط الاجتماعي: النضال في سبيل حل مشاكل المرأة، إعانة الأسر الفقيرة، رعاية الطفولة، إقامة الاحتفالات، رعاية المسنين والعجزة.
4-      النشاط الإنتاجي: رفع مستوى المرأة بالتأهيل، إقامة مشاريع إنتاجية مثل الخياطة، التطريز، تصنيع الأغذية............الخ
5-      النشاط الصحي: الإرشاد والتثقيف، دورات إسعاف، تقديم المساعدات في مجال التأمين الصحي.
6-      النشاط التراثي والفني: إحياء التراث الشعبي، بجمعه ودراسته ونشره، إقامة الفرق الفنية والمهرجانات الشعبية.
7-      نشاط  الأمومة والطفولة: إنشاء دور حضانة، ورياض أطفال، ومراكز رعاية الأمومة والطفولة.
8-      نشاط التأهيل المهني: إقامة مراكز تدريب وتنظيم دورات لتعليم الفتيات والأمهات مهناً مختلفة وتوفير فرص عمل وتشجيع إقامة المشاريع الإنتاجية.

وبعد مضي أقل من عقد على قيام هذه الإتحادات الثلاثة عام 1958، كان لا بد من السير خطوة أخرى إلى الأمام لتحقيق مزيد من التنظيم  والتطوير.
وهنا يبرز دور اتحاد العاصمة النسائي في القدس الذي سبقت الإشارة إليه، فقد دعت رئيسته زليخة الإتحادات النسائية الفلسطينية الأخرى إلى مؤتمر تحضيري عقد في القدس في 1831965 وتقرر فيه التحضير لعقد مؤتمر تأسيسي يهدف إلى توحيد التنظيمات النسائية الفلسطينية في إتحاد واحد.


المصدر مجلة التراث والمجتمع- جمعية إنعاش الأسرة- البيرة

علم إجتماع: الحكاية الشعبية الفلسطينية

علم إجتماع: الحكاية الشعبية الفلسطينية


27/08/2009

                      
الحكاية الشعبية الفلسطينية
( الغزالة )
وحدوا الله، لا اله الا الله.    
في واحد زمان كان يصيد غزلان. كل يوم وهو سارح اتلاقيه غزالة، ويظل يطارد وراها وما يقدرش يلحقها، ثاني يوم اشترى للفرس شوال شعير وحطه قدامها وظلت توكل فيه حتى خلصته، ثاني يوم راح، لاقى الغزالة ولحقها وظل وراها حتى عبرت بين زرع طويل وعبرت في هالخيمة، ولحقها وظل وراها حتى وصل الخيمة وعبر. وقال : السلام عليكم، وردت عليه  الصبية : السلام عليكم، فاحتار في أمرها، ما هي بقت غزالة صارت بني آدمة ؟ قالت له : أنا كنت لابسة جلد غزالة، وظل حتى أجو أخوتها، ورحبوا في الظيف، وذبحوا له الذبايح، وتعشى وسهروا. وقال لأخوتها في السهرة : أنا بدي اطلب ايد أختكم، فقالوا له : مبروكة عليك. الصبح قال لهم: وينته بدنا نيجي عليكم ونجيب الفاردة ؟ فقالوا له : بعد جمعة.

 فروح على أهله وقالهم : بدنا نروح نجيب العروس، قالوا  : بنروح. ومظت جمعة وقصدت الفاردة، وظلوا ماشيين حتى وصلوا الخيمة، ما لاقوش في الخيمة حدا رجع لأهله وقلهم : ارجعوا أنا بدي أروح ألحقهم لأنهم رحلوا، ترجوه أهله عشان ما يروحش ما اقتنعش، قال : الا أروح. ورجعت الفاردة وهو قصد ورا أهل الغزالة، عندما رحلوا أخوتها هي قعرت كيس الطحين وظل يهرول في طحين فظل يمشي على خط الطحين حتى غابت الشمس ونام ومحل ما ناموا وجد الموقدة اللي كانوا يوقدوا فيها، لاقى فيها قرصة حطتها الغزالة، أكلها ونام، الصبح قصد، وفي الطريق لاقاه الزلمة، قاله : وين رايح يا زلمة ؟ قاله : قاصد على باب الله، قال الزلمة : ارجع لأن في هاظا الواد غول بوكل اللي بمرق من هان. فقاله : ما يكون ، ومحل ما بقوا يناموا بقى ينام وبقحر ها لموقدة ويطول القرص اللي مخبيته اله يوكلها وينام. ظل يمشي حتى وصل الواد اللي فيه الغول.

وهو ماشي ما عتب الا الغول بقول له : وين رايح يا رجل ؟ قاله : قاصد على باب الله. قاله : ميل عندي، فقاله : خليني أمشي، قاله : ميل. فميل ووضعه في غرفة وقاله : بدنا الصبح نتسابق في الخيل اللي بسبق بقتل الثاني، فهبط قلبه من الخوف وطاحوا في الساحة ظلوا يتسابقوا للمغرب، ما حدا سبق، طلعوا على الدار، تعشوا، وسكر عليه الغرفة وقال له : بكرة بدنا نتباطح، وظل يفكر عندما أجا يسكر عليه حط ايده على السكرة وما سكر الباب فقام في نص الليل وفتح وطلع بره وشاف قدامه مثل الجبل واقف فقال : أظنه براقب فينا، ظل ماشي تا وصله، دقه في العصاه الا هو جلد. وبحر من الشباك الا هي هالبنت تبارك الخلاق، ودشرها وراح ينام، ونام طول الليل، والصبح جابت له الفطور. وظل يوكل تخلص جميع الأكل، قالت له : شو الدعوة، قال : اللي أكم يوم ما أكلتش، قالت له : كل فيه مية صحة. ومد عليها السيف وقالت له : أنا بنت، وقالها : بدي أروح أجيب الغزالة، وقالت : أنا الغزالة، قالها : خطيبتي ! وقالت له : أروح معك، قالها : خليك هان، قالت له : ما بظل هان وبدشرك. لبست الجلد وراحت معاه، ظلوا ماشيين توصلوا ها لبلد. اجوا ع هال الختيارة، فقالوا لها : بدنا ننام عندك، قالت لهم : أهلا وسهلا، فأكلوا وشربوا وسهروا وقالها الزلمة : أجت بنت ومعها أخوتها على ها لبلد ؟ قالت : آه والله أجوا، بكرة زفتها، فقالها : كيف أساوي هذه خطيبتي ؟! قالت له : طيب أنا بروح عليها وبقولها. وراحت عليها وعبرت وقالت لها : هي خطيبك عندي، فقالت لها الغزالة : بكرة  في الساحة يخلي الفرسان حتى تتعب، ويزق هو وأنا بنط وراه، وانهزموا، لحقوه الخيالة ما قدروش، وأخذ الغزالة والبنت اللي كانت لابسه جلد الغول وروح على بلده وتجوز الثنتين.

وطار الطير وتتمسوا بالخير...

من أرشيف
الحكاية الشعبية الفلسطينية
( اللصوص والفقير)

   ما بطيب الكلام الا بالصلاة على سيد الآنام ... اللهم صلي على سيدنا محمد،
  باقي في قديم الزمان هالحرامية، سراقين وعايشين على السرقة، وهمه شلة مع بعض يسرقوا كل شي ايش ما يشوفوا قدامهم يسرقوا، يوم من الايام افلسوا ما فش معاهم اشي وما ظلش اشي يسرقوا الناس باقية زمان في فقر. كان عنده الواحد شوية جاجات شوية غنمات يعني اشي زي هيك ففكروا، قالوا:  ما ظلش حدا الا سرقناه وما ظل حدا قدامنا غير الواحد، باقي هالواحد أغنى واحد في البلد- وما غني الا الله سبحانه وتعالى- وعنده هالزلمه قصر وغني كثير.

  صاروا يفكروا كيف بدهم يوصلوا لقصر هالزلمة الغني لأنه صعب كثير، واحد من الحرامية قال : ما فش الا طريقه وحده، قالوله : شو هي ؟  قالهم :  في بيت لواحد فقير جنب القصرما الناش الا غير نروح على بيته ومن بيته بنط على القصر، وافقوا جميعهم على رايه وراحوا على دار الفقير . الزلمة فقير وما حيلته اشي الزلمة الفقير شافهم، اطلع لاقاهم لابسين اواعي غاليه، استغرب حراميه ولابسين أواعي غاليه، زعق على مرته بصوت عالي وقالها : هاتي يا وليه الصيغة الذهب اللي عندك وارميها في البير اللي النا لانه قلبي حاسسني انه في حراميه بدهم يسرقوهن منك. هذا الحكي على سماع الحرامية، مهو الزلمة متعمد يسمعهم. قامت المرة جابت له شوية قزاز مكسر محطوطات في صرة وقالتله : خذ هي الذهبات. وراح رماهن في قلب البير في وسط البيت، طبعا همه سمعه الحكي فكروا عن صح انه في ذهب والزلمة الفقير رماه في البير.  قاموا قالوا لبعضهم : هذه سرقة مضمونه وصارت بين أيدينا أحسن ما نروح نسرق القصر ونورط حالنا. وراحوا شالحين أواعيهم ونزلوا في البير يدوروا على الذهب، وباقي الزلمة الفقير مستني ورا الباب وكأنه حاسس انه رايحين ينزلوا في البير، خلاهم تا نزلوا البير وأخذ ملابسهم وعبر ع بيته ودشرهم في البير يفتشوا، وظلوا يفتشوا في ها لبير على صرة ها لذهب تا انتهف بالهم وهمه يدوروا ما لقوش غير صرة ها لقزاز، ولما زهقوا طلعوا وما لقوش  أواعيهم، خافوا يسألوا عن أواعيهم مهي فظيحة الهم. ما استرجوش يسألوا فخرجوا وهمه عريانين قبل ما النهار يطلع - باقية الدنيا ليل – وهمه طالعين بهالمنظر، طل عليهم صاحب البيت وقالهم : خذوا الباب في ايديكم، هذا جزاء كل مين بعمل عمل مشين مثل السرقة...

وطار الطير وتتمسوا بالخير...  

المصدر مجلة التراث والمجتمع- جمعية انعاش الأسرة- البيرة


Print Page

علم إجتماع: الرأي.. والرأي العام العربي وتقنيات القياس الغربية

 علم إجتماع: الرأي.. والرأي العام العربي وتقنيات القياس الغربية


27/08/2009




                                                                           د. ماري أشقر
                                                     أستاذة في معهد العلوم الإجتماعية- الجامعة اللبنانية


مقدمة
           
تحاول هذه المقالة طرح سؤال أساسي يمكن أن يتبادر إلى ذهن كل باحث يحاول دراسة أي ظاهرة من ظواهر المجتمعات العربية وتحليلها, سواء أكانت إجتماعية أم إقتصادية أم سياسية, والتي تتعلق بالمفاهيم التي حددها علم الإجتماع الغربي لدراسة المجتمع, خصوصا, علم الإجتماع الأمريكي في العقد الأخير هل هي حقا علمية؟ ومن ثم, هل نستطيع تطبيقها على جميع المجتمعات؟ وهل التقنيات المختلفة وأدوات التحليل التي وضعها هذا العلم هي حقا تقنيات موضوعية وصحيحة تساعدنا على دراسة الظواهر الإجتماعية المختلفة, ومعرفة طبيعة المشكلات العديدة التي تواجهنا في هذا المجال أو ذاك؟ وقد آثرنا هنا الا نطرح الموضوع بشكل عام, بل أن نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تناول موضوع الرأي العام وكيفية قياسه. ويرجع ذلك لكونه مجالا حظي في الآونة الأخيرة باهتمام كبير من قبل الباحثين الإجتماعيين في بلادنا خصوصا في ميدان الأبحاث التطبيقية.

وقد أصبحت دراسات الرأي العام وتطبيق تقنيات العينة والإستبيان والتحليل الإحصائي التي تستخدم لقياس اتجاهات الرأي العام هاجس مراكز الأبحاث في المجالات العديدة, وقامت من أجل ذلك شركات تجارية متخصصة لتضع نفسها في خدمة الصناعة الإستهلاكية, ودراسة الأسواق والأمزجة العامة, كما في خدمة المعارك الإنتخابية ورجال السياسة أو في دراسات التخطيط والإدارة وفي وضع مشاريع التنمية... الخ. وكأن استخدام هذه التقنيات والأدوات قد أصبح الطريق إلى الدراسة الموضوعية والعلمية والمفتاح الأول لمعرفة المشاكل التي تواجه مجتمعاتنا. ومن ثم راح البعض يعتبرها الشرط الأساسي لإكتشاف الحلول لمشاكل الأمة. ومن هنا, كان من الضروري مناقشة هذه المقولات من خلال تناول موضوع الرأي العام. وما هذه المناقشة إلا محاولة أولية تهدف إلى طرح بعض التساؤلات أو وضع الخطوط العامة لكيفية الإجابة عنها. بيد أنها محاولة تهدف إلى تغيير مجرى النهر لا إلى تعميقه أو توسيعه أو منع الإنهيارات عن جوانبه. مما يجعلها تختلف عن تلك الإنتقادت التي توجه إلى هذه الأبحاث في محاولة للإبقاء على جوهرها مع تفسير قصورها بسبب الصعوبات المادية أو الإمكانات البشرية أو حداثة التجربة... الخ. بينما المطلوب هنا طرح الأسئلة الأساسية حول طبيعة المفاهيم المستخدمة والمنهج المتبع والتقنيات المطبقة. ألم يحن الوقت لأن نتخلص من عقدة "العلمية" و"الموضوعية" والتقنيات الفعالة والمفاهيم العالمية التي وضع لنا أسسها وشروطها علماء الإجتماع الغربيون. ألا يحق لنا أن نتساءل وقبل الشروع بأي بحث علمي هل هذه هي حقا الأدوات الافضل لمعرفة مجتمعاتنا وتحليل بنيتها ومؤسساتها ومشاكلها؟
أولا: الرأي والرأي العام كما يحددهما علم الإجتماع الغربي

الرأي هو دائما التزام فردي, أي أن الفرد يشعر أن هذا الرأي ملك له على الرغم من أنه يتكون بفعل تأثيرات خارجية أو يكون قد سمعه من شخص آخر لكنه يتبناه ويقتنع به ويدافع عنه. ويجب التفريق بين الأقوال والآراء, لأن هناك أشياء كثيرة يقولها الفرد منها معلومات قرأها أو سمع عنها, منها ما يقوله خوفا أو تمشيا مع أقوال الأكثرية فهذه ليست آراء. ولا يمكن القول إن كل تعبير شفوي هو رأي بل الرأي هو ما يشعر الفرد أنه مقتنع به اقتناعا تاما حتى لو تغير هذا الإقتناع بعد فترة من الزمن. وكذلك يجب التفريق بين الرأي والتصرف لأن هناك آراء لا تترجم إلى تصرفات وإن التصرفات يمكن أن تأتي أحيانا كثيرة مخالفة للآراء مع أن هذه الأخيرة تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر في التصرف.

الرأي هو حكم على الأشياء لتقويمها رغم أنه يقدم نفسه وكأنه يتكلم عن الواقع. فالفرد يحاول دائما إظهار آرائه وكأنها موضوعية وتستند إلى الوقائع, لكنه في الحقيقة, يقدم تقويمه للأمورفي الغالب أي أنه يفضل, يختار, يعود إلى قيم معينة, ما يحبه, ما يؤمن به ما يعتبره عادلا أو غير عادل...الخ. إن الفرد يحاول دائما الإستناد إلى حقائق موضوعية لكن رأيه يبقى في كل الأحوال تقويما لهذه الحقائق أو الوقائع وليس سردا لها. أي أن الرأي فيه دائما شئ ذاتي, وتختلف درجات وعي ذاتية الرأي وطابعها التقويمي بحيث يعتبر أن هذا الوعي يزداد مع إزدياد الإقتناع بحدود المعرفة عن الموضوع أو الكفاءة في تقويمه. ويتضاءل الوعي لذاتية الرأي مع إقتراب هذا الأخير من المسائل التي تهمه مباشرة أو تمس حياته الشخصية, ولكن على الرغم من الوعي بإمكانية وجود ذاتية معينة في الرأي يصر الفرد دائما على تقديمه. وكأنه حقيقة مطلقة ومجرد تبنيه له يعني أنه مقتنع بصحة هذا الرأي.

الرأي إذا هو حكم على شيء, على شخص, على حادثة أو على معلومات معينة. وعلى الرغم من أن الوقائع والحقائق يمكن أن تشكل أحيانا مادة للآراء ومصادر لتكوينها أو تغييرها إلا أنها ليست آراء.

أما الرأي العام فهو يعتبر حصيلة أي معدلا إحصائيا أو مجموعة عناصر مشتركة لمجموع الآراء الفردية في مجتمع معين. وإذا كانت هناك حصيلة للآراء الفردية فهذا يعني أنه يوجد عوامل موضوعية خارجة عن إرادة الأفراد تكّون الآراء الفردية وبالتالي الرأي العام.

1-     مصادر تكوين الآراء

تركز الأبحاث على طرح لائحة من العناصر التي تعتبر مؤثرة في تكوين الآراء الفردية, ويصار إلى تحديد أهمية كل عنصر من هذه العناصر وكيفية تأثيرها في تكوين الآراء الفردية. وهذه العناصر هي بالطبع أيضا العوامل التي تؤثر في تكوين الرأي العام لأن الرأي العام ليس إلا التعبير عن ىراء أكثرية الأفراد. ونعرض هنا بعض هذه العوامل التي تعتبر فاعلة في تكوين الآراء, وهي تقسم إلى نوعين:

أ‌-        العوامل الفردية:منها الدوافع الفردية وطبيعة شخصية الفرد ومستوى الطموح عنده.. كالتأكيد على أن المراهقين أكثر تطرفا في آرائهم, أو أن المواقف الفاشية والمتعصبة والآراء العنصرية تفسرها العقد النفسية والأزمات الشخصية. ومستوى المعرفة أيضا عند الفرد أي المعلومات والتجارب التي يملكها حول هذه أو تلك من الموضوعات والتي تؤثر في تبني آرائه حول هذا الموضوع. ويمكن ذكر دراسة العالم الألماني "أدورنو" مثلا حول "الشخصية المستبدة" في المجتمع الألماني في الخمسينات فقد حاول أن يثبت أن هناك نوعا من الشخصيات هي بطبيعتها متسلطة وتتميز بالجمود الفكري والتعصب وثقة كبيرة في النفس ويعتبر أدورنو أن هذا النوع من الشخصية يميل إلى إتخاذ مواقف محافظة جدا ومتطرفة ومساندة للديكتاتورية. وهذه الدراسة ليست إلا نموذجا من منهج عام في الأبحاث يحاول تفسير آراء الأفراد وتصرفاتهم السياسية من خلال طبيعة الشخصية ومشاكلها وعقدها النفسية وبشكل خاص شخصيات الزعماء السياسيين التي يسمح تحليلها النفسي بتفسير المواقف السياسية لهؤلاء الزعماء.

ب- العوامل الإجتماعية: منها تأثير الأفراد من خلال العلاقات الشخصية أو تأثير فرد مميز هو القائد أو الزعيم أو البطل, ومنها ضغط الجماعة او ما يسمى بضغط التماثل الذي يدفع الفرد ان تبني اراء المجموعة التي ينتمي اليها. ومنها تأثير التربية وتأثير المركز او الدور الاجتماعي للفرد. واخيرا تأثير العوامل الاجتماعية المختلفة, منها : الظروف التاريخية, العوامل الاقتصادية, والاحداث المختلفة التي يعايشها الافراد وهي تؤثر في تكوين ارائهم او تغييرها.

ونستطيع هنا ابراز نقاط كثيرة حول هذا المنهج في طرح موضوع الرأي ومصادر تكوينه. ان تعريف الرأي والرأي العام يظهر بشكل واضح الخلفية النظرية للعلاقة بين الفرد والجماعة, فهو يعطي الاولوية ( في الاهمية وفي الزمان ) للفرد وتعتبر الاراء الجماعية مجرد حصيلة احصائية للاراء الفردية. اما فيما يتعلق بمصادرتكوين الاراء, فعلى الرغم من الاشارة الى العوامل الاجتماعية واهميتها تبقى الاولوية للفرد لانه يتم التركيز دائما على العوامل الفردية. ومن ناحية اخرى لا تستطيع الابحاث كشف ما هو أساسي وما هو ثانوي في العوامل المختلفة, فتبقى ردة فعل كل فرد من الافراد على مختلف العوامل والطريقة التي يتأثر بها هي الحاسمة في تحديد اهمية هذا العامل او ذاك في تكوين الاراء.  
           
اما فيما يتعلق بالمنهج الذي يقود الابحاث حول تكوين الاراء فهو المنهج نفسه السائد في
جميع أبحاث علم الإجتماع الغربي. ذلك أنه يبدأ بتجزيء الظاهرة الى عناصرها المختلفة ويدرس كل عنصر من هذه العناصر على حدة (لأن الظاهرة معقدة ولا يمكن دراستها بشكل دقيق إلا بعد تفتيتها إلى مختلف أجزائها ). من ناحية أخرى تختزل هذه الظاهرة ومختلف العناصر التكوينية فيها إلى تعبيراتها الخارجية الشكلية (لأن بحث أي عنصر غير قابل للقياس الدقيق سيؤدي إلى نتائج ذاتية ويحد من موضوعية البحث ومدى علميته).

يقول ميلز في نقده للمنهج التجريبي السائد في علم الإجتماع الأمريكي أن تطور علم الإجتماع أصبح شبيها  "بألعاب البناء" التربوية أي أنه يسود الإعتقاد أننا سنستطيع في المستقبل تجميع الأبحاث المتكاملة وتراكمها حتى تصبح بناء متكاملا أي كما يفعل الأطفال حين يبنون البيوت من قطع خشبية يرصفونها فوق بعضها. ويتابع ميلز قائلا " إن هذا التجميع للمعلومات لا يستطيع أبدا أن يجيب عن الأسئلة الفعلية التي يطرحها الواقع الإجتماعي لأن مجرد تجميع معلومات تفصيلية حول هذا أو ذاك من أجزاء ظاهرة إجتماعية معينة لا يستطيع أن يبني نظرية عامة تفسيرية لهذه الظاهرة فالدراسات الجزئية لن تعطي إلا مواد إعلامية فتكثر مراكز الأبحاث وتتعدد الموضوعات والمشاكل الجزئية دون أن نرى أي صلة فيما بينها".

نرى مثلا في موضوعات علم الإجتماع الأكثر رواجا كموضوعات الدعاية ووسائل الإعلام الجماعية والرأي العام أن الدراسات تنحصر بالبنى الأمريكية الحالية التي لا تعود إلى أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة أي أنها تنحصر في حدود تاريخية وبنيوية ضيقة جدا فتتوصل مثلا إلى تصنيف دقيق للأفراد الذين يستخدمون وسائل الإعلام الجماعية. زتدرس بشكل دقيق التصرف الإنتخابي وتصنيف مئات الناخبين حسب الأسباب المباشرة التي تفسر إختياراتهم لكنها لا تستطيع التوصل إلى تحليل علمي شامل لوسائل الإعلام الجماعية كما أنها لا تتطرق بأي شكل من الأشكال إلى النظام السياسي الذي يعتبر لعبة الإنتخابات جزءا منه أو إلى آلية الأحزاب السياسية ودورها الفعلي أو أي مؤسسة من المؤسسات السياسية في ديناميتها الداخلية. وهنا يلحظ ميلز تعافت هذا المنهج فيرى الباحثين الأمريكيين بعيدين عن أي مشكلة من المشاكل الفعلية للمجتمع الأمريكي ويكتفون بطرح المشاكل في الحدود التي تسمح بها لهم مناهجهم "الموضوعية" فهم ضحايا ما يمكن تسميته "بالإحباط المنهجي" دراساتهم تجمع التفاصيل دون إعطائها أي شكل اللهم إلا الشكل الذي يضعه الطابعون. وجميع هذه الدراسات لو وضعناها الواحدة تلو الأخرى لن نستطيع الإجابة عن المشاكل التي تتعلق بالبنى الإجتماعية أو دينامية السلطة أو التكيف الإجتماعي أو الإتجاهات السياسية ولن تطرح أي قوانين فعلية لتفسيرها.

2-      قياس الاراء

 تقنية قياس الاراء تخضع للتحديد النظري لمفهومي الرأي والرأي العام ( تقنيات اختيار العينة الممثلة لمختلف فئات المجتمع – تقنية المقابلة والاستبيان, التحليل الاحصائي... ). أي انه كان الرأي التزاما فرديا وتعبيرا عما يقتنع به الفرد يكفي أن نوجه الى الفرد بعض الاسئلة المباشرة أو غير المباشرة ونحاول وضعها وبشكل واضح ومفهوم لا يربك المجيب فنحصل على اجوبة يجب أن تكون هي ايضا واضحة ومفهومة وغير قابلة للتأويل من قبل الباحث.

وهكذا يكون الهدف من مفتاح تعلم تقينة الاستبيان ليس التقرب من الاراء الفعلية للافراد والتي ربما كانت معقدة ومتناقصة وغير واضحة – حتى بالنسبة اليهم احيانا – ولكن الوصول الى الوضوح والتبسيط حتى تصبح الاسئلة (المغلقة ) اي التي تقتصر فيها الاجابة على عدد محدود من الخيارات البسيطة والاجابة اما بنعم او لا. هذا هو نموذج الاستبيان العلمي غير النابل للتحليلات الذاتية والذي نسطيع ترجمته بالارقام والقياسات الكمية والجداول الاحصائية فنحصل على خريطة دقيقة لاراء الافراد. اما بالنسبة الى قياس الرأي العام فلا نستطيع بالطبع الوقوف على اراء جميع الافراد في مجتمع معين, كي نستنتج بعد ذلك المتوسط الاحصائي لهذه الاراء فيجب بالتالي وضع تقنيات وتحديد تصنيفات نظرية تحدد مدى تمثيل جزء من هؤلاء الافراد ( العينة ) لجميع افرد المجتمع الذي نريد معرفة ارائه.

هنا ايضا تخضع تقنيات تمثيل العينة اولا الى تصنيف الباحث لفئات المجتمع المختلفة والى تقديره لمدى انسجام اعضاء هذه الفئات فيما بينهما ( اي أن جزءا منها يمثل فعلا الجميع ) وطبعا للقدرة النظرية والتقنية الوصول الى هذا الجزء المختار. اي انه بكلمة أخرى, يجب على الباحث أن يمتلك أولا معرفة نظرية لجميع أفراد المجتمع المدروس, وما هي حاجاتهم وتطلعاتهم ومشاكلهم الفعلية. ثم عليه أن يحصل على إحصاءات دقيقة تسمح له بتصنيف الفئات المختلفة وتحديد العينة الممثلة لها. فإذا أخطأ في المعرفة النظرية وكيفية التصنيف أو إفتقد الإحصاءات الصحيحة والكاملة فإن قواعد التمثيل وبالتالي معرفة الرأي العام الفعلي تصبح قابلة للتشويه والتأويل. كما أنه يجب أيضا الإشارة إلى مشكلة الوصول إلى هذه العينة الممثلة وإمكانية إقناع أفرادها بالتعبير الصريح والكامل والواضح عن آرائها الفعلية.

وفي حال تم التقيد بجميع الشروط التقنية وتم التغلب على جميع المشكلات المطروحة, وبعد أن نجري التحليلات الإحصائية المعقدة على الأجوبة المختلفة, ونضع الجداول والخرائط الدقيقة, نعود إلى السؤال الأساسي وهو على ماذا حصلنا بواسطة هذه التقنيات الموضوعية الدقيقة؟ لقد رسمنا خريطة لأجوبة الأفراد عن أسئلة وضعها لهم باحثون ظنوا أنها تسمح لهم بالتعبير الفعلي عن آرائهم, وأجربنا عمليات رياضية وإحصائية بسيطة ومعقدة لما يفترض أن يمثل آراء أكثرية أفراد المجتمع وسميناها الرأي العام حول موضوع معين في هذا المجتمع أو داخل هذه الفئة أو تلك.

لقد إفترضنا أن الأفراد يعبرون دائما عن آرائهم الفعلية, وافترضنا أن الرأي العام هو تراكم ومتوسط  لمختلف الآراء الفردية. وقد إفترضنا أن مدى الإنسجام بين أفراد المجتمع              
( أي تمثيل جزء منهم للمجتمع) يحدد حسب تصنيف للفئات الإجتماعية وضعه الباحث وحدد بنفسه مقياسه وميزات كل فئة من الفئات المصنفة, أي أننا إعتبرنا أن الإنسجام في الرأي موجود داخل الفئات الإقتصادية أو الثقافية أو الجنسية أو العرقية أو الجغرافية...الخ, دون أن نستطيع تحديد أولوية هذا المقياس أو ذاك في مجال التصنيف الإجتماعي. أي أننا لم نحدد أي تصنيف من هذه التصنيفات يعكس بشكل أفضل التقسيمات الإجتماعية الفعلية حول هذا أو ذاك من الموضوعات المطروحة للبحث, وما هو مقياس التصنيف أصلا في تحديد العينة, وكيف يمكن الوثوق بالتبريرات المعطاة لهذا التصنيف؟ في الواقع هناك سلسلة لا نهائية من التساؤلات والإعتراضات التي يمكن أن تثار حول هذه المسألة. وعلى سبيل المثال نلاحظ ما كابده د. سعد الدين إبراهيم في دراسته عن ( اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة..). فقد إعتبر حسب التحديد النظري لمفهوم الرأي العام الذي تبناه أن "  المهتمين بمسألة الوحدة هم أساسا أولئك الذين أوتوا قدرا متوسطا أو عاليا من التعليم"... " فهؤلاء هم الذين يشتركون في صناعة القرارات... ويؤثرون في غيرهم من فئات المجتمع الأخرى".

لكنه إصطدم في الواقع بمعضلة تمثيل هذه الفئات في المجتمع, فأفرادها لا يمثلون إلا نسبة ضئيلة من سكان الوطن العربي, لا تتعدى في معظم الأقطار العربية 30 بالمائة من السكان " ... أما أغلبية السكان, وهي من الفلاحين ( والبدو) والعمال ( في الإنتاج والخدمات) فهم جميعا من الأميين أو دون المتوسط من حي التعليم" .

وقد حاول حل المشكلة بتمثيل هذه الفئات في  الدراسة لكن بنسب أدنى بكثير من عددها الفعلي داخل المجتمع. وتقرر أن يكون حجم العينات من هذه الفئات موحدا في كل الأقطار العربية بصرف النظر عن الثقل السكاني لكل قطر " نظرا لدرجة التجانس العالية بين كل من العمال والفلاحين( والبدو في بعض الأقطار) ".

نرى هنا كيف أن مشكلة إختيار العينة وتمثيلها ليست مشكلة تقنية بل هي أولا وأساسا مشكلة منهجية أيديولوجية تتعلق باختيارات الباحث النظرية والسياسية والثقافية وبالمفاهيم التي يتبناها والتي تبقى عرضة للنقد والرفض مهما بلغت التبريرات والمراجع والتعقيدات "العلمية" المستخدمة. لماذا يكون مقياس التصنيف في التمثيل مقياسا مهنيا؟ أو يكون المقياس مستوى التعليم؟ وأين ذهبت فئة النساء؟ هل هي أيضا هامشية في تكوين الرأي العام؟ أم أن مدى إنسجامها مع فئات الرجال كبيرة؟ ألا تمثل نسبة كبيرة من أعداد المجتمع؟ ..
من ناحية أخرى عندما نأخذ كل فئة من الفئات الإجتماعية الممثلة في العينة هل نتعامل مع المجتمع ككل وداخل كل فئة على أساس أفقي طبقي؟ وهل نعتبر أن الإنسجام في الرأي بين العمال أو بين الفلاحين أو بين الأطباء, يسمح لجزء منهم أن يمثل الجميع؟ فعندما نأخذ عينة تمثل طبقة العمال أو الأطباء أو الأساتذة يفترض أن العمال أو الأطباء أو الأساتذة يحملون آراء فردية مشتركة مما يسمح لعينة أن تمثل الجميع. ولكن كيف العمل في بلد مثل لبنان حيث تتداخل البنية الطائفية مثلا مع التصنيف المهني؟! هنا سنضطر إلى الدخول في تصنيف جديد وفي داخل كل فئة جديدة سنواجه مشكلة أخرى ومقياسا آخر لتصنيف فرعي جديد. وبهذا يصبح من المشروع لنا أن نطرح عشرات التساؤلات ونثير عشرات الإعتراضات حول مدى "علمية" هذه التقنية و "موضوعيتها" وقدرتها على إعطاء صورة صحيحة, أو حتى تقريبية, عن الواقع الإجتماعي المعطى والآراء الفعلية لمختلف فئات المجتمع.

ثانيا:  دراسة الآراء الفردية والجماعية في المجتمعات العربية

يمكن تقديم عدد من الملاحظات حول تطبيق المبادىء والتقنيات في علم الإجتماع الغربي, على معرفة الآراء في المجتمعات العربية:

1- حول تعريف الرأي العام والعلاقة بين الفرد والجماعة

إن مفهوم الرأي العام كما يحدده علم الإجتماع الغربي لعني وجود آراء فردية بمعنى أنها خاصة بكل فرد من الأفراد ويعني أيضا إمكانية التعبير الفردي الخاص عن هذه الآراء. فمفهوم الرأي العام يرتبط إذا بمفهوم معين لحرية الفرد ومكانته داخل الجماعة وإستقلاليته وبمفهوم المساواة التامة بين آراء جميع الأفراد داخل هذه الجماعة, أي أن آراء كل فرد من الأفرادلها القيمة الإحصائية نفسها وتستطيع التعبير عن نفسها بحرية وإستقلالية تامة بحيث نستطيع فعلا القول إن معرفة الرأي العام حول موضوع معين ليست إلا عملية إحصائية نستخلصها من قياس متوسط آراء جميع أفراد مجتمع محدد. فهل هذه المسلمات النظرية موجودة أيضا في مجتمعاتنا؟

ــ هل أن مفهوم الفرد وإستقلالية آرائه وحرية التعبير عنها له المحتوى نفسه الذي إفترضه علماء الإجتماع الغربيون في مجتمعاتهم التي تجعل من الفرد رقما في جداول الإحصاء؟ ماذا يعني مبدأ مساواة جميع الأفراد, أي, إعتبار كل رأي من الآراء الفردية- مهما كانت صفات حامله الإجتماعية- وحدة قياسية في الجداول الإحصائية؟ هل لرأي كل فرد من أفراد الجماعة في مجتمعاتنا- رجالا ونساء وشيوخا ورجال دين- القيمة الإحصائية نفسها والتعبير نفسه كي نستنتج أن "متوسط" آرائهم يشكل الرأي العام داخل هذه الجماعة؟ هل الرأي العام ليس إلا متوسطا إحصائيا للآراء الفردية؟ هل للفرد فعلا الأولوية الأساسية وإن مجموع الأفراد وتراكم آرائهم هما اللذان يشكلان الآراء الجماعية؟ لماذا لا نرى أن الأولوية في مجتمعاتنا هي للآراء الجماعية التي تتكون حسب عوامل وشروط إجتماعية وإقتصادية وفكرية.. لا علاقة مباشرة لها بالفرد كوحدة قياسية فيها, ومن ثم يحدد الفرد آراءه ضمن هذه الحدود للآراء " الجماعية" ويعبر عنها بقدر ما تسمح له الجماعة بذلك, أو يسمح له إرتباطه بالجماعة؟


إن الآراء الفردية لا يعبر عنها بشكل مستقل ولا تتميز بتميز الأفراد كأفراد بل حسب إنتماءاتهم الإجتماعية المختلفة ( العائلة, العشيرة, الطائفة...الخ) وحسب مكانة كل منهم داخل هذه الجماعة أو تلك. ولا يعني الإنتماء هنا مجرد تصنف للفئات الإجتماعية المختلفة أي أنه ليس لرأي كل فرد من الأفراد داخل هذه الإنتماءات القيمة نفسها في تحديد الآراء الجماعية وليس لكل تصنيف لفئات المجتمع مجرد قيمة إحصائية تستخدم لوضع جداول أكثر وضوحا فقط.

وإذا اعتبرنا أن رأي الجماعة أو " الرأي الجماعي" هو الذي يقرر كيفية التعبير عن الآراء الفردية فلماذا لا نبحث عن وسائل تستطيع تحديد إتجاهات هذا الرأي الجماعي بشكل مباشر ودون اللجوء إلى قياس الآراء الفردية أولا؟ فنقوم مثلا بدراسة كيفية تطبيق فكرة وحدة الجماعة والشورى في الإسلام, وكيف كانت تتحقق هذه الوحدة من خلال إختيار الممثلين الحقيقيين للوحدات الإجتماعية والجماعات والعقيدة للحصول من خلالهم على وحدة الآراء داخل الجماعة. ويمكن أن نطرح على سبيل المثال, أسئلة أكثر عمقا وأهمية في هذا المجال: ما هي ديناميات التغيير في " الرأي الجماعي" للجماعة الموحدة؟ متى تكون الوحدة في الرأي على أشدها؟ ومتى تنقسم؟ ومتى تحدث فيها إختراقات؟

وبكلمة أدق, يصبح هنا مفهوم " الرأي العام" مفهوما مختلفا, ومفهوم الفرد مفهوما مختلفا, أي أنه لا يعود إعتبار كل فرد من الأفراد كيانا مستقلا مميزا عن الآخرين بل تحدد طبيعة آرائه بالنسبة إلى علاقته بالجماعات المختلفة التي ينتمي إليها. وفي الوقت نفسه لا يعود كل فرد من أفراد المجتمع مجرد رقم إحصائي نستطيع إبدال رقم آخر به في تحديد العينة بل تصبح آراء بعض الأفراد ( نتيجة مكانتهم الإجتماعية وتأثيراتهم في الآخرين ) أكثر أهمية ويجب معرفتها أولا كي نستطيع فعلا معرفة آراء بقية أعضاء الجماعة.

بتحليل للايديولوجيات والبنى الاجتماعية السائدة والظروف الواقعية للمجتمع وبتحديد دقيق للمفاهيم النظرية المختلفة التي يتركز عليها بحثنا, ومن ثم نستطيع الانتقال الى رصد اتجاهات الرأي حول هذا او ذاك من المواضيع.

2-العلاقة بين موضوع البحث والمفاهيم المستخدمة واهدافه

ان اختصار معرفة الرأي العام الى وصف احصائي لبعض اوجه الواقع وتحويله الى مجرد قياس بحث يجعل التركيز على تقنيات القياس والتحليل الكمي هاجس ((الموضوعية)) و(( المعرفة العلمية الدقيقة )). ان هذا الاختيار يشكل سمة عامة لجميع الابحاث الاجتماعية ويرتبط باهداف علم الاجتماع الغربي  الذي لم يطمح يوما الى تحليل فعلي للواقع الاجتماعي بل كان دائما يرهن ابحاثه المتعددة باهداف تطبيقه لها علاقة بالاهداف التجارية او السياسية للمؤسسات المختلفة التي تقوم بالبحث. وهذا واضح بشكل خاص في مجال الابحاث حول الرأي العام, فنظرة سريعة الى تاريخ تطور هذه الابحاث وتقنيات قياس الاراء والاتجاهات تظهر مدى ارتباطها بالمؤسسات التجارية والانتخابية المختلفة كمؤسسة  Gallupالتي كانت اول من وضع تقنية استقصاء الرأي العام, او مؤسسة Harris, التي قامت بالحملة الانتخابية للرئيس كندي, وجميع مؤسسات دراسة الاسواق التي وضعت اسس الدعاية التجارية السائدة.

هذه المؤسسات هي التي وضعت تقنيات قياس الرأي وطورتها دحددت مقاييسها وذلك ضمن ما كانت تهدف اليه لاغراض الدعاية التجارية او الدعاية الانتخابية, اي أنها اكتفت مثلا برصد الاتجهات الانتخابية لمختلف فئات المجتمع الامريكي, ورسم خريطة شاملة لتوزيع هذه الاتجهات. ولكنها لم تحاول ولم تطمح يوما الى تحليل فعلي للبنى السياسية لهذا الجتمع, او للمصادر الاساسية والرئيسية في تكوين هذه او تلك من الاتجهات العميقة, وهذا ما جعلها ترتكب احيانا اخطاء فادحة في الحسابات الانتخابية ( كنتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية الاخيرة اواخر عام 1980 مثلا ), وتركها عاجزة عن تقدير دقيق أو تفسير للإتجاهات ( الإنتخابات الفرنسية الرئاسية ). وهذا ضمن أهدافها وطموحاتها. أما في ما يتعلق بالإتجاهات العميقة والمشاكل الفعلية التي يصطدم بها المجتمع الغربي كالعنصرية مثلا, فهي لم تستطع تقديم أي نظرية متكاملة حول جذور تكوين هذه الإتجاهات وشروط تغييرها بل إكتفت بوضع لوائح ( كانت في أحيان كثيرة متناقضة ) للعوامل المختلفة التي لها تأثير مباشر أو غير مباشر في تكوين إتجاهات عنصرية أو رسمت خرائط وجداول إحصائية عديدة حول توزيع هذه الإتجاهات داخل الفئات الإجتماعية ( الإقتصادية والثقافية والجغرافية...) المختلفة.  

فلماذا نقبل نحن هذه الأهداف؟ وهل هذه هي حدود البحث العلمي؟ ولماذا نتبنى هذه المقاييس وتلك التقنيات باعتبارها الحد الأقصى  لكل ما هو علمي وموضوعي؟ يجب أولا أن نحدد أهدافنا الخاصة, ماذا نريد فعلا أن نعرف؟ ولماذا نريد فعلا أن نعرفه؟ ومن ثم نبحث عن ادوات رصد وتحليل وتقنيات تستطيع أن تحقق لنا فعلا هذه الأهداف.

إن هذه الطريقة شاقة دون ريب وتتطلب تضافرا في الجهود وجرأة في ابتكار وسائل باهظة وكوادر بشرية كثيرة لكنها لا تؤدي إلا إلى نتائج جزئية ومحدودة ومملوءة بالشوائب التقنية ولا تفي بالتالي بالأهداف الأساسية التي نريد تحقيقها من البحث الإجتماعي.

3-حول تقنيات قياس الرأي والرأي العام

إن تقنيات إختيار العينة والإستبيان والتحليل الإحصائي مرتبطة حتما بالمفاهيم النظرية للبحث كما هي مرتبطة بأهداف البحث وبالظروف المادية والحضارية والثقافية والسياسية والإقتصادية للمجتمع.

إن تحديد الرأي والرأي العام في علم الإجتماع الغربي مرتبط بمقاييس وصيغة كمية إحصائية. وحتى مفهوم الإتجاه attitude" ", فعلى الرغم من إعتباره أكثر عمقا وارتباطا بالجوانب الذاتية إلا أن إمكانية دراسته تبقى ( حسب مقاييس "الموضوعية" ) مرتبطة باحتمالات قياس التعبيرات الخارجية والعناصر العقلانية؛ كالآراء بشكل أساسي أو التعبيرات الأخرى كالسلوك أو الإنفعال أو المواقف المختلفة... مع أن هذه الأخيرة لا تشكل دائما عناصر دقيقة "موضوعية " تستطيع أن تساهم في البحث العلمي عن محتوى الإتجاهات أو مصادر تكوينها.

وهنا أيضا نتساءل لماذا يجب أن يكون قياس الآراء بواسطة الإستبيان أو "المقابلة" هو المصدر الأساسي في دراسة الإتجاهات دراسة علمية؟ ألا يوجد مصادر أخرى لا تقل أهمية أو دقة عنها, يمكن الإعتماد عليها كدراسة العوامل التاريخية والعناصر الأيديولوجية والعادات والتقليد والعقائد؟ أما الإستبيان فقد يكون أحد عناصر البحث ولكن أدناها أهمية ومرتبة؟ هذا إذا بقينا واقعين تحت أسر التقنيات الغربية ولم يقدر لنا أن نبدع تقنياتنا الخاصة في البحث عن الإتجاهات وحقيقتها في لحظة تاريخية معطاة.
فإذا أردنا مثلا أن ندرس إتجاهات الطائفة الشيعية في لبنان نحو الوحدة العربية عموما أو وحدة أي بلدين عربيين, فهل نبدأ بوضع إستبيان يوجه إلى عينة ممثلة, ام أن ثمة تقنيات ومصادر أكثر علمية للوصول إلى هذه المعرفة؟ مثلا:  

-          دراسة الفكر الشيعي وما يحمله من توجه نحو الوحدة عموما وفي الحالات التفصيلية التي سبق وحدد موقفه منها.
-          دراسة تاريخ الشيعة والدور الذي لعبه مختلف الفئات في مراحل الوحدة أو الإنفصال التي عرفها التاريخ العربي والإسلامي.
-          معرفة آراء القادة الدينيين والسياسيين في الوقت الراهن بالنسبة إلى موضوع البحث لما لذلك من تأثير في تحديد الرأي العام داخل الطائفة.
-          دراسة موقف الوحدات والفئات الإجتماعيةالأخرى المتحالفة أو المتخاصمة عم الطائفة الشيعية حول الوحدة المذكورة.

هنا فقط يمكن وضع نوع من الإستبيان وإجراء عدد من المقابلات تتم في إطار معين. وكنتيجة لتحليل العناصر التي أظهرتها الدراسة ولا ترتبط  أبدا بشروط تقنيات العينة الممثلة, ووضع الأسئلة والتحليل الكمي للأجوبة كما حددها الباحثون الغربيون. فالأسئلة هنا تأخذ معنى آخر, " والعينة الممثلة " تخضع لشروط مختلفة, وتحليل النتائج على أسس مختلفة ويرتبط بالدراسات السابقة ولا يكتفي بالتعليق على العمليات الإحصائية.  

من ناحية أخرى إن تحديد الرأي العام كمتوسط إحصائي للآراء الفردية يعني أنه يجب علينا اختيار تقنيات تسمح بتحديد دقيق لطبيعة الأكثرية التي تمثل الرأي العام. ومن هم الأفراد الذين يجب علينا قياس اتجاهاتهم؟ هل هم يمثلون فعلا جميع أفراد المجتمع؟ هل يجب علينا الأخذ بعين الإعتبار جميع أفراد المجتمع بالمعنى الشمولي للكلمة أم أننا نكتفي بالبعض؟ على أي مقياس نرتكز لنحدد أن هذا البعض يعني الجميع؟ فتعود المعضلة لتصبح هنا معضلة نظرية أولا, أي أنها بتحديد المفاهيم للرأي والرأي العام والعلاقة بين الفرد والجماعة, والمقاييس التي يتم على أساسها تصنيف الفئات المختلفة التي تتكون منها العينة. فنرى مثلا كيف يجيب سعدالدين إبراهيم عن هذه المشكلة في دراسته: " حول اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة", فهو يضطر إلى إيجاد تبريرات نظرية عديدة لتحديد الفئات التي تمثل الرأي العام, ويربط المشاكل التقنية بالتعريف السائد للرأي العام فيقول مثلا ... " إن قياس اتجاهات الرأي العام نحو الوحدة يعني - اتساقا مع التعريف- أن نحدد الجمهور أو الجماهير المهمة بمطلب التوحيد السياسي للوطن العربي وبالتالي تدرك تأثير هذا المطلب في حياتها بالإيجاب أو السلب وبالتالي تكون على استعداد لإتخاذ موقف أو التعبير عن رأي يصدد مسألة الوحدة ". فتصبح الفئات "الممثلة" للرأي العام حول الوحدة هي فئات الذين أوتوا قدرا متوسطا أو عاليا من التعليم.

لكن المشكلة المشار إليها في هذا التحديد للعينة الممثلة تبدو للباحث مشكلة تقنيةفيقول أن هذا " الجمهور" لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من سكان الوطن العربي لا تتعدى 30% في معظم الأقطار العربية. أما أغلبية السكان فهي من الفلاحين والبدو والعمال وهم جميعا من الأميين أو دون المتوسط.. " أي أن جماهير الفلاحين والعمال في الأقطار العربية رغم ضخامة عددها ودورها الإنتاجي الهائل ما زالت هامشية في تكوين " الرأي العام" بالمعنى الذي إصطلح عليه العلماء الإجتماعيون..".  
فالمفاهيم الأساسية في تمثيل العينة رغم أنها تبدو مشكلة تقنية هي أساسا مشكلة نظرية, كما سبق وذكر. وهي ثانيا – وبشكل ثانوي- مشكلة تقنية, فتأتي مثلا مشكلة وجود الإحصاءات الدقيقة ومشكلة سحب العينة إذا كانت من النوع الإحتمالي ومشكلة الوصول إلى الأفراد الذين وقع عليهم الإختيار... الخ, في مرتبة ثانوية إذا ما حلت مشكلة التحديد النظري. أما بالنسبة لتقنية الإستبيان فنستطيع أن نبرز الملاحظات نفسها أي أن المشكلة الأساسية في استخدام الإستبيان هي أولا وأساسا نظرية تتعلق بمبدأ الإستبيان نفسه وسماته وليس بمحتواه أو تفاصيل هذا السؤال أو ذاك.

فكيف نصل إلى جعل الذين نسألهم يجيبون بدقة وصراحة وبساطة عن الأسئلة المطروحة إذا كان أسلوب الكلام والأحاديث اليومية في مجتمعاتنا ليس مباشرا ولا بسيطا ولا دقيقا. فنحن لا نجيب عادة بنعم أو لا عن أي سؤال ولا يطرح أحد علينا أسئلة مباشرة ودقيقة, بل نستخدم عادة عبارات وتعقيدات لغوية ومقدمات ومجاملات عديدة كي نتوصل إلى معرفة رأي أحدهم بموضوع معين, هذا في أحاديثنا اليومية فكيف عندما نتوجه إلى باحث لا نعرفه, ولم نره غي حياتنا من قبل, ولا يعرف تماما ماذا نريد أن نفعل بهذه الأجوبة؟ بل كيف نستطيع في قرية صغيرة مثلا, أو في حي شعبي أن نختلي بفرد واحد في جلسة طويلة دون أن يحيط بنا فورا جمهور واسع من أفراد عائلته وأقربائه وجيرانه؟ الإجابة في هذا الحال تتوجه إلى هذا الجمهور المستمع أكثر منها إلى الباحث الذي يطرح السؤال دون أن ننسى طبعا كل التصورات والإحتمالات التي يكونها عن الجهة التي تقوم بالبحث وعن استخدام أجوبته وعن صفة الذي يطرح الأسئلة (وسيظل لديه تساؤلات وتحفظات مهما وضحنا له هذه الصفة ومهما أوردنا من التطمينات على تساؤلاته المتخوفة ). 

فهل نستطيع القول في هذه الحالة أن الإستبيان هو الأداة نفسها التي وضعها الباحثون الغربيون لأغراد تربوا على الفردية والتمايز والحياة الفردية الخاصة, والإختصار في الكلام والأسلوب المباشر ولا يخشون المخابرات العسكرية ولا يبالون بما يفكر عمهم أو جارهم أو الشيخ أو المختار؟

ويشكل مبدأ استخدام الإحصاءات الدقيقة والكوادر البشرية المدربة والتحليلات الإحصائية المتطورة والآلات الحاسبة المعقدة – بغض النظر عن جميع الاشكالات النظرية والمنهجية والسياسية التي أثرناها, معضلة فعلية في بلادنا. فليست لدينا أي إحصاءات دقيقة وصحيحة حسب المقاييس والشروط الموضوعة في هذه التقنيات. وليست لدينا دائما كوادر بشرية وآلات كافية للقيام بهذه الحسابات بشكل مرض, وإن وجدت فإن تكاليفها باهظة بالنسبة إلى ما هو مطلوب, والجهود المبذولة كبيرة والوقت الذي تستغرقه طويل.

وأخيرا نكتشف أن جميع هذه المحاولات لا تفي دائما بالشروط الموضوعية ونضطر في كل مرحلة من المراحل إلى إيجاد بدائل تقنية ترتكز على تبريرات نظرية وعقلانية ليست دائما مقبولة. لكننا نعتبر أن هذه الجهود هي في المحصلة خطوات متقدمة  بالنسبة إلى ما هو موجود حتى الآن آملين أن نتمكن في المستقبل من تحسين هذه الشروط حتى تصبح مطابقة للشروط الموضوعة في الولايات المتحدة.

وهذه التقنيات تتطور باستمرار, وتصبح الآلات أكثر تعقيدا  , والإحصاءات أكثر دقة, والكوادر البشرية أكثر كفاءة ونظل نلهث نحن وراءها آملين أن نكون في المرة المقبلة أكثر توفيقا. ولكن لماذا يجب دائما أن نحاول نقل هذه التقنيات؟ هل الإقتراب من الشروط الموضوعة لها هو فعلا الطريق الوحيد للبحث العلمي والموضوعي؟ لماذا يجب أن تكون الإحصاءات والقياس الكمي والإستبيان والتحليل الإحصائي هي مقاييس الموضوعية في البحث الإجتماعي؟ أليست هذه مجرد تقنيات وأدوات لا تقصد لذاتها وإنما يراد منها تحقيق أهداف معينة, وعندما لا يكون بمقدورها الإيفاء بتلك الأهداف فأي قيمة تبقى لها؟ ثم, هل صحيح أننا لم نجر في الماضي أي أبحاث علمية, ولم نمتلك أي معرفة دقيقة وموضوعية لواقع مجتمعاتنا قبل إكتشاف التقنيات الحديثة لعلم الإجتماع؟ إن علماء العرب كانوا السباقين في إكتشاف أدوات التحليل العلمية والمفاهيم النظرية القادرة على تحليل الواقع الإجتماعي, فلماذا لا نبحث عن أدوات تحليل الواقع في كتاباتهم وندرس تدوين ملاحظاتهم بالجدية نفسها التي نبحث بها في أدبيات علم الإجتماع الأمريكي؟ ولا نعني هنا ابن سينا أو اين خلدون فقط بل عشرات المجتهدين والعلماء الذين دونوا وبحثوا وكتبوا عشرات المؤلفات القيمة عن البنى الإجتماعية والسياسية والإقتصادية في المجتمع الذي عاصروه, وطرحوا نظريات أكثر جدارة بالإهتمام من نظريات "مرتون" أو "ستوفر" أو "نيوكوب".

كما أن استقصاء دقيقا لمجموع المعارف والمعلومات التي يمتلكها القادة المحليون وعدد كبير من معاونيهم حول وحداتهم الإجتماعية ( عشائرهم- قراهم – مناطقهم... ) والوحدات الإجتماعية المجاورة لهم سوف تجعل أي باحث يذهل من تلك المعارف والمعلومات العامة والتفصيلية التي لا يستطيع أي استبيان مهما بلغت دقة أسئلته أو أي عينة حتى لو كانت تمثيلية ( حسب المقاييس الإحصائية ) أن يقدمها له. كما أن ملاحظة الوسائل التي يستخدمها هؤلاء القادة لقياس الحال اليومية في وحداتهم والوحدات المجاورة لهم أو التي لهم إحتكاك بها وتقديرهم لما يمكن أن يطرأ على هذه الحال من تغييرات كمية أو نوعية تجعل النتائج التي يتوصل إليها أي باحث إجتماعي يطبق التقنيات الغربية تبدو ضئيلة جدا ودون فائدة كبيرة.

لندرس هذه الكتابات بعمق وجد فقد نعثر على مفاهيم نظرية وأدوات تحليل تساعدنا في إبتكار الوسائل العلمية لمعرفة واقعنا الإجتماعي وتحليله تحليلا موضوعيا صحيحا. ومن ناحية أخرى نحن بحاجة قبل أن نشرع بكشف الوسائل والتقنيات إلى نظرية متكاملة نستطيع من خلالها أن ننظر إلى واقع مجتمعاتنا نظرة مستقلة صحيحة تساعدنا على وضع المفاهيم النظرية القادرة على تفسير واقع هو واقع مختلف فعلا وبشكل جذري في بنيته الحالية, وفي تطوره التاريخي, وفي تكوين مؤسساته, وفي طبيعة العلاقات الإجتماعية, وفي طبيعة تكوين شخصية الأفراد, وفي تشكيلهم العقائدي والأيديولوجي والحضاري... الخ.

أما القول إن علم الإجتماع الحديث يعترف بهذا الإختلاف ويحاول كشفه وتحديد سماته, فإنه خاطئ بالأساس, لأن استخدام مفاهيم يقال عنها أنها عامة ( عندما تكون مستقاة من واقع واحد مميز هو واقع المجتمعات الغربية الصناعية ) لكشف هذه الخصوصيات يعني أن هذه المفاهيم هي المقياس الوحيد والأصل الصالح للجميع وأن الفروقات المكتشفة هي دائما مدروسة بالنسبة إلى المقياس الأساسي. وبهذا يكون الغرب هو المصدر, والمجتمعات الأخرى هي مادة للمقارنة أو بالحري موضوعا للدراسات الإنتروبولوجية علم الإجتماع يملك النظرية عن المجتمع والفرد وعن الأخلاق وعن المثل العلمية ويرى المجتمعات الأخرى مختلفة ومتخلفة بدائية. ومهما يكن بحث هذه المجتمعات دقيقا فلن يتناول إلا الجوانب التي يستطيع العلم " المكرس " دراستها وفهمها بالنسبة إلى مقاييسه ومفاهيمه ونظرياته عن الفرد والمجتمع.  

أما الباحثون العرب الذين يتمثلون بالباحثين الغربيين فلا يختلفون عنهم بنظرتهم إلى مجتمعاتهم, فهم يدرسون تاريخهم وتراثهم ومؤسساتهم الماضية والمعاصرة وشعوبهم وأخلاقها وأفكارها بنظرة العالم الغربي ( العلمي والموضوعي) الذي يحاول رصد المعلومات ورسم الواقع الإجتماعي بمنظار خارجي غريب عن هذا الواقع وبالنسبة إلى مقاييس لا تمت إلى واقعهم بصلة وليس لهم أي فضل إلا في نقلها؛ كالتلميذ المجتهد الذي لا يجرؤ أن يتوجه حتى بسؤال توضيحي إلى معلمه, فيفرح عندما يلاحظ شيئا ما تعلمه في الأدبيات " العلمية " وما رآه في المجتمعات التي هي مصدر " العلم" ويحزن عندما يرى بنى أو مؤسسات أو أفرادا يختلفون عن هذا المصدر. فيشرع بوضع النصائح لشعبه وطرح الحلول الصحيحة والعلمية كي يصبح هذا الشعب " متقدما"     و" متطورا" ومحبا " للعلم" و" للمنطق". فالباحث هو الذي يمتلك الحقيقة والمعرفة, حتى وسائل التقدم والسعادة, فيحاول رصد ووصف الواقع المتخلف بمقاييسه الأصلية والمنطقية والعلمية, وعد هذا الوصف الموضوعي العقلاني ( يمقاييس علم الإجتماع ) يحاول طرح الحلول الملائمة لتغيير هذا الواقع وتطويره بالإتجاه الذي يعتبره تقدما وطريق السعادة للبشرية جمعاء. أي ما اعتبره وأقنعه له أساتذته الذين يملكون مفاتيح
" العلم والمنطق والموضوعية والتطور".  

خـاتمــــة
     
 إن المفاتيح النظرية والتقنية لمعرفة واقعنا لن تأتينا من المجتمعات الأخرى مهما بلغت دقتها وتجربتها (حتى لو افترضنا جدلا أن مفاهيمهم علمية في تطبيقاتها على مجتمعاتهم ) ومهما بلغ اعجابنا باكتشافاتهم فان مجتمعاتنا مختلفة جذريا ويجب ان نكون بانفسنا – باستخدام تراثنا العلمي وتجربتنا الفعلية وملاحظاتنا الخاصة – خريطة لواقعها. وننظر اليها نظرة مجردة فعلا ( اي مجردة من جميع هذه المفاهيم المنقولة ) خالية من الاحتقار وهاجس المقارنة ولا نعود مبادئ ومثل جاهزة في اذهاننا.

هذا هو الشرط الأول للوصول إلى تكوين مفاهيم نظرية قادرة على فهم الواقع وتفسيره ولاستكشاف وسائل علمية ودقيقة قادرة على رصد مختلف جوانب هذا الواقع وتعقيداته وتحليلها بشكل صحيح. إنه طريق شاق ويتطلب جهودا كبيرة وقد يمر بتجارب كثيرة غير مجدية ويفتح الباب واسعا للصراعات الفكرية والأيديولوجية لكنه سيكون في جميع الأحوال أكثر جدية وأكثر فائدة من هذه المحاولات المتكررة لنقل نظريات وتقنيات قد تأتي ببعض المعلومات عن هذا الموضوع أو ذاك لكنها لن تستطيع بالتأكيد - والشواهد كثيرة – أن تكون نظرية متكاملة قادرة على تحليل واقعنا الإجتماعي ومعرفة إتجاهات تطوره وإمكانات التغيير والتقدم الفعلي له.
     
   
                       

الرأي.. والرأي العام العربي وتقنيات القياس الغربية